ترامب في مواجهة الفيدرالي.. معركة الفائدة تتحول إلى صراع حول الفصل بين السلطات
أشارت مجلة "ذا ويك" إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواصل ممارسة ضغوط غير مسبوقة على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، في محاولة للتأثير على قرارات السياسة النقدية. هذه المواجهة أثارت جدلا واسعا حول استقلالية البنك المركزي، وطرحت تساؤلات عميقة بشأن مستقبل الاقتصاد الأمريكي وصورة الديمقراطية والآفاق المالية في البلاد.
دوافع الضغوط
من أبرز الأسباب التي تدفع ترامب إلى تكثيف ضغوطه على الفيدرالي رغبته في خفض أسعار الفائدة بشكل أكبر. فهو يرى أن تثبيت الفائدة أو رفعها يضر بالنمو الاقتصادي ويقيد الأسواق، بينما يعتقد أن خفضها سيؤدي إلى تحفيز النشاط الاقتصادي سريعا. هذا الموقف يرتبط أيضا بالبعد الانتخابي، إذ يسعى ترامب إلى تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة قبيل الاستحقاقات السياسية المقبلة، ما يمنحه ورقة قوية في مواجهة خصومه بالحزب الديمقراطي.
إلى جانب ذلك، هناك بعد شخصي واضح في العلاقة بين ترامب وباول. فمنذ سنوات أعرب الرئيس عن استيائه من قرارات رئيس الفيدرالي، بل وصل الأمر إلى التلويح علنا بإمكانية عزله أو استبداله بشخص أكثر ولاء. كما أن التحقيقات الجنائية التي طالت باول بشأن مشاريع تجديد مباني الفيدرالي بتكلفة مليارية، ينظر إليها من قبل مراقبين على أنها أداة ضغط سياسية مرتبطة بمواقف ترامب، وليست مجرد قضية إدارية.
الانعكاسات على استقلالية المؤسسات
تهدد الضغوط المستمرة على الفيدرالي أحد أهم ركائز النظام المالي الأمريكي، استقلالية البنك المركزي. فالتدخل المباشر من السلطة التنفيذية في قرارات السياسة النقدية يعد سابقة خطيرة، قد تقوض الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تكون محصنة ضد الحسابات السياسية. وكان جيروم باول نفسه قد خرج عبر شاشة التليفزيون ليؤكد أن التهديدات الجنائية التي يواجهها ليست سوى نتيجة لرفضه الانصياع لرغبات الرئيس، محذرا من أن ذلك يمثل "هجوما على استقلالية الفيدرالي".
وفتح هذا التصعيد الباب أمام أزمة دستورية محتملة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات المستقلة، ويثير مخاوف من أن تتحول المواجهة إلى صراع طويل الأمد حول حدود صلاحيات الرئيس في التأثير على السياسة النقدية.
تأثيرات على الأسواق والاقتصاد العالمي
وتتابع الأسواق المالية هذه الأزمة بقلق بالغ. فمجرد الإيحاء بأن قرارات الفيدرالي قد تخضع لضغوط سياسية يهدد ثقة المستثمرين في استقرار النظام المالي الأمريكي. هذا القلق ينعكس في تقلبات حادة بأسواق الأسهم والسندات، ويؤثر على توقعات النمو في المدى المتوسط.
الأمر لا يقتصر على الداخل الأمريكي، إذ أن الدولار يمثل العملة الاحتياطية العالمية، وأي اضطراب في استقلالية الفيدرالي ستكون له تداعيات مباشرة على السياسات النقدية في مختلف الاقتصادات المرتبطة بالدولار. من أسعار الفائدة إلى حركة رؤوس الأموال، قد تتأثر الأسواق العالمية بشكل واسع إذا فقد الفيدرالي استقلاليته.
البعد السياسي والانتخابي
لا يمكن فصل هذه المواجهة عن السياق السياسي الداخلي. فترامب يسعى إلى تعزيز النمو الاقتصادي قصير المدى قبيل الانتخابات، ويرى أن خفض الفائدة هو الطريق الأسرع لتحقيق ذلك. لكن استخدام أدوات قضائية ضد رئيس الفيدرالي يثير مخاوف من تسييس المؤسسات المستقلة، وهو ما قد يفتح الباب أمام أزمة دستورية بين السلطة التنفيذية والهيئات الرقابية. بعض أعضاء الكونجرس الجمهوريين أعلنوا رفضهم لأي محاولة لاستبدال باول قبل انتهاء التحقيقات، ما يعكس انقساما داخل الحزب نفسه حول مدى مشروعية هذه الضغوط.
اختبار لصمود المؤسسات
ووصفت مجلة ذا ويك الأزمة بأنها ليست مجرد خلاف حول أسعار الفائدة، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات الأمريكية على الصمود أمام الضغوط السياسية. استمرار هذه المواجهة قد يؤدي إلى اهتزاز ثقة الأسواق، وإلى إعادة النظر في صورة الولايات المتحدة كدولة تحترم الفصل بين السلطات واستقلالية مؤسساتها المالية.
أصوات ناقدة من داخل الحزب الجمهوري
في الذكرى الأولى لعودة ترامب إلى البيت الأبيض، وصف مايكل ستيل، الرئيس السابق للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، المشهد السياسي الأمريكي بأنه "استسلام مذهل" لمؤسسات الدولة أمام ما يسميه "المتنمر".
ويرى ستيل، الذي كان أول رئيس أسود للجنة الوطنية الجمهورية وصاغ شعار "احفروا، احفروا!" في مؤتمر الحزب عام 2008، أن ما حدث خلال العام الأول من ولاية ترامب الثانية لم يكن مجرد هجوم متوقع على الدستور وسيادة القانون، بل كان مفاجئا في سرعة خضوع الجامعات وشركات المحاماة ووسائل الإعلام لضغوط السلطة.
مستقبل المواجهة
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يتوقع ستيل أن يترجم الغضب الشعبي إلى انتصار ديمقراطي واسع، مدفوعا برغبة الناخبين في محاسبة الرئيس وحلفائه على ما يعتبره تهديدا مباشرا للديمقراطية الأمريكية. هذا التوقع يعكس إدراكا متزايدا بأن الأزمة بين ترامب وباول تجاوزت حدود السياسة النقدية لتصبح رمزا لصراع أوسع حول طبيعة النظام السياسي الأمريكي وقدرته على حماية مؤسساته من التدخلات السياسية المباشرة.