الخميس 29 سبتمبر 2022 الموافق 03 ربيع الأول 1444
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements
عاجل
تقارير

"إقليم بنجشير" والقائد أحمد مسعود.. شوكتان في الخاصرة الشمالية لـ"طالبان"

الرئيس نيوز

على الرغم من أن حركة "طالبان" قالت الأحد إنها تمكنت من دخول إقليم "بنجشير" الاستراتيجي، بعد الانتصار على قوات القائد العسكري أحمد مسعود، نجل القائد الأفغاني التاريخي، أحمد شاه مسعود المعروف بـ(أسد بنجشير)، أشهر قادة الجمعية الإسلامية التي قاومت الاحتلال السوفيتي، إلا أن تقارير محلية تؤكد أن الدخول شكلي وفقط؛ لكونه يتمثل في سيطرة الحركة على مركز للشرطة والمجلس المحلي بها، أما بقية الإقليم فمن الصعب في ظل الظروف الحالية السيطرة الكاملة عليه؛ بسبب طبيعته الجغرافية الوعرة، فضلًا عن غياب قدرة "طالبان" حاليًا في بسط نفوذها على كامل الأراضي الأفغانية. 
يؤكد مراقبون أنه من غير المتوقع أن تكون مهمة طالبان بالسيطرة على إقليم بنجشير سهلة؛ فقد استعصى على القوات السوفياتية على مدى 10 سنوات، بحكم طبيعته الجغرافية الصعبة، كما عجزت طالبان سابقا عن السيطرة على الوادي في معاركها السابقة مع القائد التاريخي مسعود.
ربما تتضح الأمور أكثر خلال الفترة القليلة الماضية، (ربما الأسبوعين او الثلاثة المقبلين)، ففي حال تمكن أهالي الوادي من الصمود لهذه المدة، يمكن أن يفتح أمامهم الفرصة لدعم خارجي جوا، بحكم أن الولاية محاصرة من قبل طالبان من جميع الجهات، بخلاف الحال بمعركة بنجشير الأولى مع القائد مسعود حيث كانت مناطقه ممتدة إلى الحدود مع آسيا الوسطى، إلا إذا تمكنت قيادات مخضرمة مثل كرزاي، حكمتيار، رئيس المجلس الأعلى للمصالحة (عبد الله) أن تلعب دورا إيجابيا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلى جانب دور مساند من دول ومنظمات إسلامية لتفعيل الوساطة لاحتواء الأزمة.

أسباب الصدام 
ولا يمكن اعتبار القائد الميداني أحمد مسعود، مناهضًا لحركة طالبان، بل إنه دعا في أكثر من بيان إلى ضرورة التوصل إلى تفاهمات مع الحركة، والانخراط في الدولة المركزية بعد سيطرة طالبان على العاصمة كابول. فيما يكمن جوهر الخلاف بين الطرفين في أن طالبان تطلب من مسعود الابن وأهالي بنجشير الانضمام، ولا يستخدمون مصطلح الاستسلام، إلى الدولة المركزية، على غرار بقية الولايات، بدون قيد أو شرط، وقبول الوالي المعين من قبل الحركة، وهو من سكان بنجشير، في حين يعتبر أحمد مسعود وأهالي بنجشير ذلك استسلاما، ويشترطون لانضمام الولاية إلى الحكم المركزي: التفاهم والتوافق أولا على نظام الحكم القادم، بحيث يكون غير مركزي. كما يطالبون بمراعاة التوازن والتنوع العرقي والجغرافي في تشكيلة الحكومة المقبلة.
خلال الفترة القليلة الماضية عقدت بالفعل جولات من المباحثات بين الطرفين في مدينة "تشاريكار" عاصمة ولاية بروان، بوساطة من العلماء والوجهاء، ولكن لم يتوصل الطرفان إلى حل للمشكلة، وبعد فشل جهود التهدئة والمصالحة، هاجمت عناصر طالبان الوادي من عدة جهات، ونشبت معارك منذ يومين، وصفت بالشديدة، مع ما تسميه وسائل الإعلام "حركة المقاومة الوطنية" ويدعي كل طرف التقدم وإلحاق خسائر بشرية ومادية بالطرف الآخر.
يحذر مراقبون من أن تجدد القتال في منطقة حساسة مثل بنجشير، بخلفياتها التاريخية، يمكن أن يؤدي إلى خروج الأمر عن السيطرة، واشتعال فتيل الاضطرابات والمعارك في مناطق أخرى، وأن تتحول الأزمة من مشكلة واد وولاية إلى نزاع عرقي دام (نظرا لأن أهالي بنجشير من عرقية الطاجيك وطالبان من البشتون) وقد يفتح الباب على مصراعيه أمام المتربصين واللاعبين، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.

إبداء حسن النية
دليل آخر على أن القائد أحمد مسعود لم يكن يريد اشتعال الوضع مع حركة "طالبان"، أنه على الرغم من سقوط كابول للمرة الثانية في قبضة حركة "طالبان"، كان الإقليم هو الولاية الوحيدة الخارجة عن سيطرة طالبان، وباتت مركزا لتجمع كثير من كبار المسؤولين بالحكومة السابقة، من وزراء وجنرالات في الجيش والأمن ومحافظي بعض الولايات، بمن فيهم أمر الله صالح، كما نقل إلى بنجشير عدد من المروحيات ودبابات ومصفحات الجيش، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الذخائر والمعدات العسكرية.
بعد وصول أمر الله صالح، المعروف بعلاقته الوثيقة مع واشنطن وجهاز استخباراتها المركزي، بعد يومين من فرار الرئيس غني وسقوط كابل، إلى إقليم بنجشير، أصدر بيانا يعلن فيه نفسه رئيسا شرعيا للبلاد، بحكم توليه منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، وأكد أنه لن يستسلم لطالبان وسيقاتل من سماهم "الإرهابيين".
فما كان من أحمد مسعود وقادة الإقليم إلا أن رفضوا بيان أمر الله صالح، وأبدوا رغبتهم في التفاهم والمصالحة مع طالبان، وقد وافقهم أحمد نجل القائد مسعود على ذلك، وهو الذي يحظى باحترام أهالي الوادي، وبرز كقائد وزعيم في الولاية، لكونه الابن الوحيد لـ "أسد بنجشير" أي القائد التارخي الأفغاني.
فشل أمر الله صالح في إشعال فتيل الحرب من بنجشير ضد طالبان، وذلك لأسباب عدة، منها أنه ليست له شعبية بأوساط العلماء والمجاهدين السابقين في الوادي لكونه متهما بأنه وراء موجة اغتيالات ممنهجة لكبار العلماء والدعاة، وبعض الشخصيات من الناشطين في مجال المصالحة مع طالبان، ومعارضي الاحتلال الأميركي.
ويتداول أبناء بنجشير أنباء عن منع أمر الله صالح من إصدار البيانات والإدلاء بتصريحات للإعلام من داخل الوادي، نظرا لحساسية المنطقة والخلفيات السابقة، لذلك لم تحاول طالبان اقتحام الوادي، فبقيت هي الولاية الوحيدة الخارجة عن سيطرة الحركة.
وقد أصدر المسؤولون في طالبان وأيضا الشاب مسعود بيانات أظهروا فيها الرغبة لحل مشكلة بنجشير وانضمامها للدولة المركزية، مع أخذ كل طرف الاحتياطات والاستعدادات العسكرية لحرب محتملة.

دعوة للحوار
ورحب القائد أحمد مسعود الأحد على "فيسبوك" باقتراح مجلس العلماء لإجراء محادثات لإنهاء القتال في بنجشير، وأعرب مسعود عن استعداده لوقف القتال إذا انسحبت طالبان من الإقليم على أن يجري حينها محادثات مع مجلس العلماء. وفي وقت سابق، ذكرت وسائل إعلام أفغانية أن مجلس العلماء المؤلف من رجال دين دعا طالبان لقبول التفاوض من أجل تسوية سلمية ووقف القتال في بنجشير.
أكد مسعود في منشور على "فيسبوك": "جبهة المقاومة الوطنية الأفغانية توافق من حيث المبدأ على حل المشكلات الحالية وإنهاء القتال على الفور ومواصلة التفاوض"، مضيفًا: "من أجل التوصل إلى سلام دائم، الجبهة مستعدة لوقف القتال بشرط وقف طالبان أيضا لهجماتها وتحركاتها العسكرية في بنجشير وأنداراب" في إشارة لمنطقة مجاورة تقع في إقليم بغلان.
وبينما يقول أحمد مسعود إنه مسعدًا للحوار مع "طالبان"، تؤكد الحركة أن قواتها دخلت عاصمة إقليم بنجشير، وقال المتحدث باسم "طالبان"، بلال كريمي، على "تويتر" إن الحركة سيطرت على مقر الشرطة ومركز منطقة رخة قرب بازاراك عاصمة الإقليم وإن قوات المعارضة تكبدت خسائر فادحة في صفوفها إضافة لأسر العديد وضبط مركبات وأسلحة وذخائر.
لكن فهيم داشتي المتحدث باسم جبهة المقاومة الوطنية الأفغانية، التي تضم قوات معارضة موالية للزعيم المحلي أحمد مسعود، اعتبر أن "آلة الدعاية" التابعة لطالبان تحاول نشر رسائل مضللة، مشيرا إلى أن قوات المعارضة طردت قوات طالبان من جزء آخر من الوادي. وقال "قوات المقاومة جاهزة للتصدي لأي شكل من أشكال العدوان".

خلفية تاريخية
يعد إقليم بنجشير، يقع الوادي على بعد (120 كلم) شمال العاصمة كابل، من أقوى معاقل المقاتلين أثناء الغزو السوفياتي، وكان القائد أحمد شاه مسعود (أسد بنجشير) أشهر قادة الجمعية الإسلامية بقيادة البروفيسور برهان الدين رباني، يتخذ من بنجشير مركزا له، فارتبط اسمه باسم هذا الوادي.
وبرز دور بنجشير وقائده مسعود عندما سيطر المقاتلون على كابل، بعد سقوط النظام الشيوعي الموالي للاتحاد السوفياتي عام 1992، حيث تمكن مسعود بالتعاون مع عناصر من داخل حكومة نجيب الله الشيوعية، مثل الجنرال عبد الرشيد دستم من السيطرة على كابل، إثر معارك مع قوات الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، والتي وجدت عونا من عناصر جناح آخر داخل حكومة نجيب الله. وعين مسعود وزيرا للدفاع بحكومة المجاهدين، وتولت شخصيات موالية له في بنجشير مناصب حكومية مهمة بحكومة رباني.
ظهرت طالبان عام 1994 وتقدمت سريعا على الأرض إلى أن وصلت أبواب كابل، التي كانت تحت سيطرة مسعود، أوائل عام 1996، وبعد فشل المحادثات المباشرة بينهما في مدينة "ميدان شهر" نشب القتال بين حكومة المجاهدين، بقيادة مسعود، وحركة طالبان، أدت في النهاية إلى سيطرة الحركة على كابل أواخر العام نفسه، وأعلنت حكومتها باسم "إمارة أفغانستان الإسلامية" وسمت الملا محمد عمر أميرا للمؤمنين.

اغتيال مسعود 
بعد سقوط كابل بأيدي طالبان عام 1996، انتقل مسعود بقواته إلى بنجشير، وأسس تحالف الجبهة الإسلامية المتحدة "تحالف الشمال" مع الأحزاب والجهات المناوئة لحكومة طالبان، وتصدى بقواته لمقاتلي الحركة الذين لم يتمكنوا من السيطرة على وادي بنجشير ومناطق قريبة منه، مثل "وادي شمالي" بالقرب من كابل، إلى أن وقع اغتيال مسعود في 9 سبتمبر 2001، على يد عنصرين من تنظيم القاعدة، أي قبل يومين من هجوم 11 سبتمبر بالولايات المتحدة، والذي قاد إلى غزو واشنطن لأفغانستان وإنهاء حكم طالبان في نوفمبر 2001.
استعانت الولايات المتحدة بمقاتلي تحالف الشمال في حربها ضد طالبان وإسقاط حكومتها، ودخل مقاتلو بنجشير وتحالف الشمال كابل، وبعد مؤتمر بون الذي عقد في ألمانيا، وتشكيل حكومة كرزاي أصبح لهم نصيب الأسد من الحقائب الوزارية والمناصب الحكومية المهمة بالقطاع المدني والجيش والشرطة والاستخبارات.
Advertisements
Advertisements