الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
رئيس التحرير
شيماء جلال

عبدالله السناوي: إعلامنا أصبح مثيرا للشفقة.. وتقييده ضربة في العمود الفقري للأمن القومي (3-4)

الإثنين 18/نوفمبر/2019 - 04:17 م
الرئيس نيوز
شيماء جلال
طباعة

إعلام عبد الناصر كان متنوعا.. وما يحدث الآن إعلام صراخ

نتحدث عن إعلام التعبئة دون إدراك لمعناه الفعلى 

الهيئات الإعلامية فشلت فى تنفيذ مهمتها 

 إعلامنا غلبان لأن المسرح تم إخلاؤه

رؤساء التحرير ليسوا من الأعداء ويجب مدهم بحد أدنى من المعلومات 

ما هو شكل الإعلام الذى يريده الرئيس ويتمناه؟، ما هو طبيعة دوره وماذا يجب أن يقول وما الذي يجب أن يمتنع عنه؟، شرح الرئيس وجهة نظره في الإعلام أكثر من مرة في أكثر من مناسبة، سواء خلال لقائه بإعلاميين أو خلال خطابات متفرقة، المستقر عليه أنه "غير معجب" بأداء الإعلام بشكله الحالي.

أما عن ملامح الإعلام المنضبط من وجهة نظر الرئيس يمكن أن نرسمه من بين كلماته المتفرقة، قال السيسى: " الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه"..

وفى مناسبة أخرى يقول: "مش بلاقي حد في الإعلام بيتكلم على التحديات اللي بتواجها الدولة، مش عاوز أقول كلمة صعبة.. مهم يبقى في فهم حقيقي للتحديات".

إذا نموذج الإعلام الناصري "إعلام الستينات"، هو النموذج الأمثل للإعلام الداعم لرئيس يقود دولة في وقت الحرب من وجهة نظر الرئيس، فالسيسي يرغب في "إعلام تعبئة"، يقف منحازا للمشروعات التنموية، إعلام ساتر غير كاشف لعورات المجتمع.

انتهزت فرصة وجودي في حضرة الكاتب الصحفي عبد الله السناوى، ومن باب أن أهل مكة أدرى بشعابها، كان على ان أتحسس كلماتي وأنا ألقى بهذا السؤال فى وجه كاتب ناصرى عن إعلام التعبئة والإعلام المساند للدولة، باختصار "إعلام عبد الناصر"، والذي عبر السيسي عن رغبته فيه.

قال متحفزا نتحدث عن إعلام التعبئة دون إدراك حقيقى لملامحه ولا كيفية تطبيقه، فإعلام التعبئة يحتاج إلى حرية، كتبت فصلا في كتابي "أخيل جريحا" عن أيقونة إعلام التعبئة، اسمه "صندوق أحمد سعيد"، إعلام التعبئة على عكس التصورالمطروح الآن، أحمد سعيد وهو واحد من أشهر مذيعي العالم العربي للدرجة التي كان ينازع فيها شعبية عبد الناصر، فكانوا في اليمن يدعون الراديو "صندوق أحمد سعيد"، إعلام التعبئة لابد أن يتوفر له مساحة من الحرية حتى يتسم بالمصداقية والتاُثير.

روى واقعة شهيرة عن منع الرقيب لإذاعة آية من القرآن الكريم بزعم أنها تعرض بالجيش، تلاها واقعة منع إذاعة أغانى أم كلثوم في الإذاعة المصرية، مضيفا "نحن هنا أمام رقيب جاهل، تصور أنه منع أم كلثوم لأنها من العهد البائد، فعبد الناصر قال: "نهد أبو الهول بقى  لأنه من العصر البائد".

استمر السناوي منفعلا في الدفاع عن معنى إعلام التعبئة، فضرب مثلا قال: "بعد 1954 كان هناك أزمة كبيرة بين النظام الجديد في مصر وقوى أساسية فى سوريا واليمن، وأحمد سعيد اقترح أن يحاورهم فى قضايا مختلفة، ووافق عبد الناصر على اللقاء شريطة أن يرى النتائج، وكانت نتيجة اللقاء ناجحة جدا فى تقارب وجهات النظر، وذلك منح صوت العرب زخم ومصداقية وثقلا وبتعبر عبد الناصر نفسه "إزاي إحنا كممنا أحمد سعيد" ، فصوت العرب يفقد قيمته وتأثيره.

مضيفا نتصور أن إعلام التعبئة هو إعلام الصراخ والتهديد والسب والشتم، هذا إعلام خفيف الوزن ويزهد فيه القارئ أو المشاهد، ويستهلك نفسه بسرعة وينتهي.

تابع: رقم (2) فى تجربة أحمد سعيد خاصة في الثورة الجزائرية، لم يكن الخطاب عشوائيا، بل خضع لدراسات عميقة، العلاقة بين الأمازيغ والعرب خضعت لأساتذة متخصصين فى الشخصية الجزائرية ومكمن قوتها وضعفها حتى يكون الخطاب الموجه لهم محكم، ولا يتماس مع تركبيتهم المجتمعية، بحث علمي ودراسة واستطلاعات رأي، هذا هو إعلام التعبئة، مضيفا "لا يوجد لدينا فى مصر إعلام تعبئة، لدينا إعلام صراخ واستباحة، وأسوأ ما في هذه القاعدة أن من يستبيح يستباح، فإذا سمحت بالخوض فى الأعراض والهجوم المبتذل، دون حتى أن تقول أو توحي عن رفضك له، فإن الأطراف الأخرى ستطبق نفس القاعدة عليك".

قاطعته: ولكن هناك اتهام موجه للإعلام بعدم تقدير مقتضيات الأمن القومى التى تستوجب عدم النشر أو التناول الإعلامى فى بعض القضايا.

قال بداية نحتاج أن نحدد مفهوم الأمن القومي، من الطبيعي أن يلتزم الصحفى بمقتضيات الأمن القومى فيما يتعلق بالشئون العسكرية، ولكن كل ما يتعلق بحركة المجتمع يندرج تحت بند الأمن القومى، الصحة والتعليم والسياسة فهل نتوقف عن تغطيتها جميعا.

أنا مؤمن جدا بنشر ثقافة الأمن القومى عند الصحفى وأي شخص يعمل فى العمل الإعلامي، ولكن الأمن القومي يتم اختزاله بطريقة منقوصة أو معيبة، فيجرى استخدامه بشكل يضر الأمن القومى بمعناه الحقيقى، فى الأمور العسكرية والحساسة هناك تقاليد يحافظ عليها الصحفى بشكل تلقائى وبحاسه وطنية لا تحتاج إلى إرشاد، ولكن ما عدا ذلك من أمور كالتعليم والصحة والأسعار كلها تندرج تحت بند الأمن القومى ولكن لا يمكن منع النشر فيها، أو التعامل معها.

مضيفا "على العكس إن انكشاف الإعلام بهذا النحو ضربة حقيقية فى الصميم والعمود الفقرى للأمن القومى المصرى، فمنع التغطيات ومنع الحوار في الإعلام المصري في ظل هذا العصر الرقمي والفضائي، ومنع معالجات موضوعات معينة، أو تغطية مظاهرات، رغم تناولها فى القنوات والسوشيال لدول أخرى، والمشاهد يمكنه معرفة الحدث بمجرد انتقاله من على قنواتك إلى قناة أخرى بضغطة على الريموت كنترول، فأنت تمنع قارئك أو مشاهدك فى أن يجد الخدمة التى يتطلع إليها عندك، وفى أفضل الحالات حولت إعلامك إلى إعلام رد الفعل وإعلام الصريخ، حولته إلى "إعلام غلبان" يثير الشفقة.

إعلام بحجم مصر يقتصر دوره على الرد على ما يثار فى قنوات الإخوان، بطريقة أخرى أنت أخليت المسرح، أنت مانع الحوار والجدل والشخصيات المؤثرة، من الطبيعي أن يهرب إلى قنوات الإخوان، ولو ثقافته العامة أفضل سيتجه إلى البي بى سى وأخواتها.

الخشية المبالغ فيها من الصحافة، غير مبررة، رؤساء التحرير ليسوا مجموعة من الخونة والأعداء، ثقوا فيهم وأعطوهم تصورات عامة يتحركوا في إطارها، لماذا التعامل معهم باعتبارهم أعداء أو قصر لا يجب إطلاعهم على أى معلومات، حتى لكى يستطيعوا أن يوجهوا المحررين "يعملوا ايه وميعملوش ايه".

والواقعة الأخيرة مثلا في سجن طرة، دليل على الوضع الذي وصلنا إليه، لقد شاهدت الصور على السوشيال ميديا والتندر الواسع عليها، فى شخص ما متصور إنه لما يصور السجون مثل المنتجعات الناس هتصدق وإنه بيعمل شيء مفيد، ولقد سمحت لى ظروفى أن أذهب لكثير من المنتجعات وأحضر حفلات الباربكيو "ولكنها مش بالشياكة اللى شفتها فى السجن"،  ولاحظت أنه لا يوجد صحيفة واحدة قد نشرت هذه الصور وأعتقد أنه تدخلت جهة ما وقال أن ما حدث فهلوة تسيء فيما يعتقد صاحب الفكرة أنها تفيد.

منذ عامين كنت قد كتبت عن توصية لإحدى الجهات السيادية بامتلاك الدولة بحصة من الإعلام الخاص المرئي والمقروء، كبديل عن انصراف الجمهور عن ماسبيرو والصحافة القومية، سألته ما هي النسبة التي تراها مشروعة للدولة فى الإعلام الخاص؟

رد بشكل حاسم، طالما دخلت الدولة ولو حتى بنسبة 1%، لن يكون هذا عادلا، فالدولة ليست شريكا عادلا ولن يكون هناك توازن، وعلى أي حال لم يعد أحد يرغب في الاستثمار فى الإعلام فى ظل الأجواء الحالية، لا أحد يشاهد القنوات الفضائية، فقط المواد الترفيهية.

الحل أن يكون هناك قواعد منظمة من الهيئات الإعلامية التى نص عليها الدستور ولم يتم تنفيذها بالشكل المنصوص عليه، فأصبحت جثث لدرجة أن الناس تنادي بوزير الإعلام رغم أن فلسفة الدستور لا يوجد فيها وزير إعلام، وده معناه أن الصيغة فشلت، كان لابد أن أقاطعه ولماذا فشلت؟، قال لسوء الشخصيات القائمة عليها، ولأنها أصبحت ديكور يتبع التعليمات على الرغم من أنها طبقا للدستور مستقلة، وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة جدا.

 تابع: لقد كنت من المتحمسين لماسبيرو، وإعادة إحيائه بدلا من الدخول في القطاع الخاص، فمثلا أجرى الرئيس مداخلتين أو أكثر على برامج توك شو على قنوات خاصة، وكان من الأفضل أن تكون على قنوات التلفزيون المصرى لإعطائه قبلة الحياة وتنقل عنها القنوات الفضائية الخاصة، وفى هذا تقوية لإعلام الدولة، وقد كان هناك مشروع حوار لصفاء حجازى مع الرئيس لصالح ماسبيرو ولكن لم يتم تنفيذه. لكن حصة حاكمة أو جزئية غير مجدى، لن يكون شغل إعلاميين بل شغل موظفين.

 أردت أن ألعب دور محامي الطرف الغائب عن جلستنا، فتبنيت وجهة النظر فيما يتعلق باستغلال بعض أصحاب الصحف الخاصة والفضائيات فى الضغط على الدولة ومؤسساتها لصالح أجنداتهم الخاصة، وسألته عن رأيه؟

قال قواعد اللعبة في نشأة الصحافة الخاصة والفضائيات الخاصة، إذا كان أحد يريد أن يعرف فهي فكرة نشأت فى عصر مبارك، وكان اختيار رجال أعمال بعينهم عليهم ملفات يمسكها عليهم النظام كورقة تهديد، وباستخدام  التهديد كانت تتحكم فى الإعلام الخاص، وهى بالطبع صيغة فاسدة، وبالطبع تحرر رجال الإعمال من تلك الصيغة بعد يناير لتصبح لكل وسيلة أجندتها، وهو ما تسبب فى خلل كبير.

(للحديث بقية)

الحلقات كاملة

ads
ads
ads
ads