الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
رئيس التحرير
شيماء جلال

عبد الله السناوي: الإعلام لا يصنع الثورات.. والصحافة تحتاج إلى جهاز تنفس صناعي (1-4)

السبت 16/نوفمبر/2019 - 02:35 م
عبد الله السناوى_شيماء
عبد الله السناوى_شيماء جلال
طباعة
السناوي: 

"الرقابة الصريحة" أشرف وأكرم للبلد.. ولا بد لأحد أن يتحمل المسؤولية 
العلاقة بين الإعلام ونظام 30 يونيو بدأت بشهر عسل وانتهت بالتضييق 
النظام هو المستفيد الأول من حرية الصحافة

حوار:شيماء جلال
شارك فى إعداده للنشر: ريم محمود

وقت الشدائد نبحث عن الكبار، وليس هناك أشد من تلك المحنة التي يمر بها الإعلام في مصر منذ أكثر من 5 سنوات.
 توجهت إليه في وقت توشك فيه سفينة مهنة الصحافة والإعلام على الغرق، مع محاولات إنقاذ مهدرة، كمن يلقي أطواق نجاة في اتجاهات خاطئة تضيع سدى.

لست من أبناء عبد الله السناوي ولا إحدى تلميذاته، وإن كنت بنت مدرسة ليست بعيدة عن لونه الصحفي، تعارفنا وجها لوجه في 2012 على "قهوة الزمالك" التى أشار لها محمد مرسي يوما ما في خطابه، تلك القهوة التي يهوى الأستاذ عبد الله لقاء مجموعة من أصدقائه المقربين فيها.

في حديثه عن أزمة الصحافة والإعلام لا يمكن اتهامه بالمزايدة لا على المهنة ولا على الدولة، فالرجل قد شبع من نفسه واسمه لدرجة تغنيه عن تملق أو محاباة هذا أو ذاك، وسبق وأن حجز لنفسه مكانا بين الكبار مستندا إلى حائط صلب من التاريخ الصحفي والمهني.

السناوي ليس ضيفا هينا تجري معه حوارا سريعا، فهو صنايعي محترف وفي نفس الوقت قريب من دوائر صنع القرار، ناهيك عما يمتلكه من شبكة علاقات دبلوماسية متشعبة تسمح له بلملمة تفاصيل دقيقة تمكنه من رسم صورة تحليلية لمجريات الأحداث الدولية.

عقب 30 يونيو كان أحد الكتاب القريبين من الصورة، قبل أن تفتر العلاقة بينه وبين القصر جراء تصاعد النغمة الحادة في مقالاته عن حقيقة الوضع السياسي على الأرض، يحظى بالاحترام لا شك في ذلك، ولكن وجهة النظر المتسربة من أسوار الاتحادية وقتها أن الفترة كانت تحتاج إلى شحن معنوي لا إلى تصدير الحقيقة بشكلها الصادم الذي قد يحبط الرأي العام، وبين وجهتي النظر المتنافرتين كانت هذه الحالة وانتهت إلى تباعد مع الاحتفاظ بالاحترام المتبادل بين الطرفين.

حدد مكان اللقاء فى أحد "كافيهات" الزمالك التى  يحبها ويقطنها، رأيته يعبر الطريق في نشاط فعرفت أن حالته الصحية قد تحسنت كثيرا بعد وعكة صحية ألمت به وأدخلته العناية المركزة، استغرقت أسابيع، لم يكن فيها بعيدا عن متابعة الكبار في الدولة، وهو ما أشار إليه خلال حديثنا معبرا عن امتنانه لهم على الرغم من خروجه المبكر من المستشفى، فهو رجل عنيد لا يقوى أحد على إجباره على الانصياع حتى لو كان الطبيب.

السناوي وهو يتحدث عن الإعلام والسياسة لا يمكن استيقافه، كعادته أمسك بطرف الحديث وانطلق فى حماس من يعرف جيداً الدرب الذي يسير فيه، فهو واثق أنه سيقول ما لا تعرفه ويرد على ما قد يخطر على بالك من أسئلة، فلا ينتظرك أن تطرح، ولا يقبل أن تقاطع.

ولكني نجحت فى إمساك زمام الحوار منه، عندما فاجأته بجرأة الأسئلة، لأكسب أرضاً من اندهاشه اللحظي، قبل أن يعلق ضاحكا "سأختبر جرأتك فى النشر"، فعرفت أني سأظفر بحوار ساخن بين من يجرؤ على القول ومن يجرؤ على النشر.

ولأنى جئت إليه باحثة عن دواء للجسد الصحفي المنهك،  فكان لابد فى البداية من تشخيص الداء، سألته:
 إلى أي درجة وصلنا فيما يخص حالة التردي الإعلامي؟
ـ الوضع الحالي يوضح أننا أمام مأساة متكاملة الأركان، فالصحافة قد تقيد دورها وتراجعت مستويات توزيعها بطريقة غير مسبوقة، فالصحافة المصرية في أوائل السبعينات مثلا كانت جريدة واحدة مثل الأهرام أو أخبار اليوم يتجاوز توزيعها المليون نسخة وذلك أيام هيكل وإحسان عبد القدوس، وحينها كان تعداد السكان 30 مليون نسمة، أما الآن تجاوزنا عدد السكان أصبحنا 100 مليون وعدد قراء الصحف الورقية تقريبًا ثلث ما كانت توزعه جريدة واحدة منذ 40 أو 50 عاما، وهذا يوضح انهيار صناعة الصحف ومستويات التوزيع، وهذا عبء على أي مستثمر لأنها أصبحت صحافة لا تؤثر فى القارئ، لذلك نحن أمام جسد متضخم كالأفيال عندما تشعر قرب الرحيل تذهب إلى مقابرها، فالصحافة تبدو أجسادا متضخمة ومترهلة.

تابع "أيضا انهيار المدارس الصحفية، وتراجع مستوى الخدمة الإخبارية المقدمة للقارئ، وأصبحت جميع الصحف متشابهة،  قديمًا كان هناك مدارس متعددة فكانت المدرسة المحافظة تمثلها الأهرام، أما المدرسة الشعبية كانت تمثلها أخبار اليوم، أما مدرسة الهواء الطلق  تمثلها روزاليوسف وهي التي تعتمد على الرأى والكاريكارتير والتي تخرج منها أغلب كتاب الرأي وأكثر فنانين الكاريكاتير موهبة، والمدرسة هي طريقة كتابة الخبر والتحقيق وأولويات النشر، في الصحافة الشعبية فإن الأولوية لأخبار الحوادث، بينما الأهرام التي تمثل المدرسة المحافظة تهتم بالأخبار الرسمية في صفحتها الأولى، أما الآن أصبح كله يشبه بعضه، الاختلاف لم يعد موجودا، التميز الإخراجي لم يعد موجودا، يلى كل ذلك قلة الكفاءة وقلة التدريب المهنى ونوعية رؤساء التحرير  وهذه مأساة حقيقة".

أعرف جيداً بحكم عملي كمحررة للشئون الرئاسية أن السناوي كان أحد القريبين من قادة 30 يونيو، وأن آراءه فيما يجرى داخلياً وخارجياً محط اهتمام ودراسة ونقاش، وأنه كان حاضراً في المراحل التي شكلت العلاقة بين الإعلام والنظام، من الانفتاح إلى غلق الباب، وهو الأقدر على توصيف شكلها وتحديد ملامحها، وتوقيت توترها إلى الحد الذي يمكن وصفه بأنها فسدت..سألته عن مراحل العلاقة بين الإعلام ونظام 30 يونيو؟
ـ لو اتجهنا إلى تقسيم العلاقة بين الإعلام والنظام، فقد مرت بثلاث مراحل، الأولى "الانتقال من نظام إلى آخر" والإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين، والإعلام كان له دور كبير فى التمهيد للتحول الذي حدث، مساحة الحريات الإعلامية والصحفية التي أتيحت بعد ثورة يناير لعبت دور في إنقاذ البلد من التحول لدولة دينية.
أما المرحلة الثانية سوف نعتبرها مرحلة "الحوار مع النظام الجديد"، فنحن كنا أمام نظام جديد لم تكتمل مقوماته، ولم تضح برامجه، فالإعلام دخل فى مرحلة حوار مفتوح عبر الفضائيات  كنا نطرح تساؤلات "إلى أين نحن ذاهبون؟، وماهي المشكلات؟، وكيف نواجهها؟، وكل هذا كان يخلق حالة من السجال العام الإيجابي وأعطى أملا في المستقبل، وأعظم إنجاز له المساهمة فى حوارات المجال العام حول دستور 2014، وتفاهمات عامة كثيرة حدثت حول البنود التى طالها القلق والنقاش، والحوار الإعلامى كان له دور  فى المواد الجدلية وكانت مرحلة إيجابية يمكن وصفها بمرحلة "شهر العسل" التى استمرت حتى "تيران وصنافير".

ما حدث حول موضوع الجزيرتين أدخلنا في مرحلة جديدة بين الإعلام والنظام، في هذه المرحلة كان الكثيرون من الفريق الداعم لـ 30 يونيو والكثير من النخب لديه تحفظات على الأداء السياسي ولكنهم يخشون الإفصاح نظرا لظروف البلد، وهي مرحلة أطلقت عليها "التململ الحرج".

وهي مرحلة استخدم فيها تعبير "الدولة المصرية" بإفراط فلو نشرنا عن حادث فرعي يعتبر ذلك "ضرب في الدولة"، مثل ما حدث فى واقعة شهيد التذكرة على سبيل المثال.

وهى المرحلة الأخيرة التي نعيش امتدادها حتى الآن وأصبحنا في إعلام دولة بالمعنى السلبي، إعلام الصوت الواحد، المحطات فقدت استقلاليتها أصبحت متشابهة والصحف فقدت الكثير من حريتها، والصحافة فى مصر الآن "محتاجة تتحط على جهاز تنفس صناعي".

عندما وصل بى إلى المرحلة الأخيرة "التضييق"، نطقت مرادفها الصحفي بشكل تلقائي، "الرقابة"، لم يمهلني لأطرح السؤال فعاجلنى قائلاً:ـ
ـ "العلاقة بين السلطة والصحافة قضية معقدة فى كل العصور، دائمًا أنفاس السلطة موجودة فى صالات التحرير، وهذا التواجد أخذ أكثر من صيغة، منها الرقابة التي توجد فى الجريدة تجيز أو لا تجيز أي مادة صحفية، والصيغة الثانية هى صيغة الرقابة عبر رئيس التحرير والتى تكون فى إطار الخط السياسي، أما الصيغة الثالثة هى العدوى التى انتقلت لكتاب الأعمدة فى الصحافة القومية".

هناك حالة غريبة من الضبابية نواجهها هذة الفترة، لقد قلت فى ندوة مفتوحة عن مستقبل الصحافة المصرية، أنه أكرم وأشرف للبلد وجود رقابة صريحة فى صالة التحرير، مضيفا "لازم يكون فى حد يتحمل المسئولية.. متعرفيش الرقابة من أى جهة وإيه الأسباب، وهل تخضع إلى معايير معروفة وساعات تكون الأسباب مسبقة". يكون هناك توجيه "إحنا مش هنقرب للملف الفلانى"، بينما الملف الفلانى كل قنوات العالم بتتكلم فيه والسوشيال ميديا، فما يحدث خنق لمهنة الصحافة رغم أنها مهنة الحرية. 
 منذ عدة أشهر تعرضت جريدة أسبوعية خاصة للتوقف فى المطبعة بسبب مقال عن ثورة 1919، وهي واقعة غريبة جدا، فالجريدة فعلاً كانت تقدم موضوعاً يتناول ثورة 1919 من دون أي إسقاطات، إلا أن هناك من رأى أن ذلك إسقاط على النظام الحالى بشكل ما، ما هذه الحساسية المفرطة التي تصل إليك بمثل هذه الإيحاءات؟.. ولماذا تعتقد أنك مستهدف من الصحافة إلى هذا الحد؟.

هناك اعتقاد أن الصحافة أسقطت نظام مبارك، وهنا أوضح نقطة مهمة أن نظام مبارك سقط بسبب تفشي الفساد وغياب أى أمل فى التغيير ولم يسقط بسبب الإعلام، الإعلام لعب دوراً فى تشكيل الرأى العام، ولكن النظام سقط بسبب فساده، الصحافة لا تصنع الثورات، المفارقة أني أقدر أقول إن النظام انتهى إكلينكيا في 2005، ولكنه استمر بعدها بسبب الحريات الصحفية التي كانت تعطي أملاً فى المستقبل.

وفى إحدى المرات سألت زكريا عزمي رئيس ديوان مبارك، من المستفيد الأول من قدر الحريات المتسع فى مصر؟، فرد على الفور: "النظام، فالصحافة أعطت أملاً فى المستقبل". 
(للحديث بقية)
ads
ads
ads
ads