الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1441
رئيس التحرير
شيماء جلال

"فاروق حسني يتذكر" (1): قصة 3 ساعات لقبول الوزارة.. "هو إحنا واقعين من قعر القفّة؟!"

الثلاثاء 20/أغسطس/2019 - 03:11 م
غلاف الكتاب- فاروق
غلاف الكتاب- فاروق حسني مع الملكة فريدة في باريس 1975
محمد حسن
طباعة


ـ محمد سلماوي: تحرر من أسر السياسة الخانقة لمبارك.. والوزير الأسبق: أشكر الرئيس الذي تعامل معي بما يتوافق مع شخصيتي

-    عاطف صدقي استشاره في خليفة أحمد هيكل.. والتحريات الأمنية أجلت تعيينه لمدة عام

-    اعتذر عن قبول الوزارة فانفعل رئيس الحكومة: "يعني إحنا اللي واقعين من قعر القفة؟"

-    الرئيس الأسبق اختاره من بين 5 مرشحين هو أصغرهم.. وصفوت الشريف "حاول إفشاله من اللحظة الأولى"

 

أن تبقى لنحو ربع قرن وزيرًا فإن الأمر مثير للتأمل والتحليل، ورغم أن الأمر قد لا يخلو من تميز، فإنه أيضًا لا يعفي من مسؤولية ولو أدبية عن بعض القيم التي مثلتها تلك الفترة في ظل نظام سياسي ظل لنحو 30 عامًا في السلطة.

هو فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في الفترة من 1987 إلى 2011، والذي تتراوح النظرة إليه ما بين الفنان المستنير المبدع في عيون محبيه، وراعي "الحظيرة" في نظر كل من اختلفوا معه ومع سياساته طوال سنوات.

كتاب "فاروق حسني يتذكر.. زمن من الثقافة"، الصادر عن دار نهضة مصر، 2018، وهو كتاب حوارات، حررته الصحفية انتصار دردير، يستعيد تفاصيل تلك الفترة التي شغل فيها الفنان الوزارة، وشهدت معارك وأحداث وتطورات ثقافية شتى.

"الرئيس نيوز" يعرض الكتاب الذي يمكن اعتباره مذكرات الوزير الأسبق، على عدة حلقات، نظرًا للمكانة الجدلية التي شغلها صاحبه في مسيرة الثقافة المصرية الرسمية طوال أكثر من عقدين.

 

**

بدايةً، ثمة نقاط لافتة في الصفحات الأولى من الكتاب، وهي تحوي ما يمكن اعتباره ثلاث مقدمات، الأولى توضيح وتمهيد من فاروق حسني نفسه، ثم كلمة مكتوبة من محمد سلماوي، والثالثة مقدمة محررة الكتاب انتصار دردير.

بداية، قد يختلط على القارئ تصنيف الكتاب، ففي حين لا ينفي "حسني" أنه مذكراته لكن بقلم و"تحفيز" شخص آخر، نجد المحررة تقول إن هذه ليست سيرة ذاتية، وإنما "ذكريات"، فيما يخلُص "سلماوي" إلى أن الكتاب "سجل انجازات" بشكل متكامل للوزير الأسبق.

النقطة الثانية في الصفحات الأولى هي موضع فاروق حسني، شخصًا ووزارة، من نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.

يعتبر محمد سلماوي أن انجاز فاروق حسني أنه كان مغايرًا لسياسة إبقاء الأوضاع كما هي عليه، إبان حكم مبارك، اللهم باستثناء السنوات الأولى كما يلفت.

ويبدو أن "سلماوي" يريد أن يضفي صفة ثورية ما على حقبة فاروق حسني في الثقافة: "نجح كالفرس المتمرد في أن ينطلق من أسر السياسة الخانقة التي سادت في عهده، إلى أن جاءت ثورة الشعب في 25 يناير وفي 30 يونيو فأنقذت البلاد من شبح ذلك الاختناق الذي كانت أعراضه الأكيدة قد بدأت في الظهور".

لكن ظلال الاختلاف في تقييم الأمر تتبدى عندما نقرأ كلمات الوزير الأسبق في كلمته القصيرة بمستهل الكتاب: "أجد نفسي شاكرًا لدعم رئيس الدولة محمد حسني مبارك واختياره لي للعمل معه، لأنني أحسست وأيقنت بصدق تعامله معي مع المواقف والعواطف في الدعم والحزم، وكان هذا يتوافق مع شخصيتي طبيعتي القلقة دائمًا، التواقة للإبداع الثقافي فيما أسأل عنه".

نأتي إلى قصة تولي فاروق حسني وزارة الثقافة، عام 1987، وكان حينها رئيسًا للأكاديمية المصرية للفنون بروما، إذ هاتفه د. عاطف صدقي، رئيس الوزراء آنذاك، وأبلغه بالقدوم فورًا إلى القاهرة، دون أن يخبره بأي شيء.

يحكي "حسني": "حين وصلت القاهرة اتجهت من المطار إلى منزله مباشرة، ليخبرني بترشيحي وزيراً للثقافة، كان الأمر مفاجئًا ومزعجًا لي، بل كان صادمًا أيضاً، ورغم تقديري لذلك شكرته واعتذرت له".

لم يقبل "صدقي" الاعتذار، وربما بحكم المعرفة القديمة والصداقة، عندما كان يعمل مستشارًا ثقافياً بالسفارة المصرية بباريس، صرخ في فاروق حسني: "أنت مجنون، مستحيل أن تعتذر"، قبل أن يضيف منفعلًا: "يعني هو إحنا اللي واقعين من قعر القفة؟! عشت أنت سنوات طويلة في أوروبا، ما المانع أن تخدم البلد معنا سنتين أو ثلاثا؟!".

بعد ثلاث ساعات من المناقشة، أعطى فاروق حسني موافقته على تولي المنصب: "لم يحسمها إلا أني سأؤدي مهمة وطنية، وسأحقق رؤيتي لمصر كبلد ذي ثقافة وتاريخ عريق، سأفيدها وأستفيد منها باستنساخ رؤى جديدة بتجربتي الواسعة في العمل الثقافي بأوروبا".

منذ البداية، اقترن اختيار عاطف صدقي لفاروق حسني لتولي وزارة الثقافة بـ"شبهة المجاملة"، لكن حسني ينفي ذلك قائلا إن صدقي "رشح أسماءً أخرى معي"، قبل أن يضيف أن رئيس الوزراء "لمس بنفسه قدر النجاح الذي حققته بالمركز الثقافي المصري بباريس، ثم متابعته لما أقوم به في الأكاديمية المصرية".

وتلفت محررة الكتاب في موضع لاحق منه إلى حوار أجراه رئيس الحكومة عاطف صدقي مع مجلة "المصور" بعد جلوس فاروق حسني على كرسي الوزارة، سُئل فيه عن أسباب اختياره وزيرًا للثقافة، فأجاب قائلا إن الرئيس مبارك هو من اختاره، وأنه وضعه كخامس الأسماء المرشحة للمنصب أمام الرئيس، دون تفاصيل أكثر.

هكذا تمر هذه النقطة مرور الكرام دون أن نفهم لماذا اختار "مبارك" فاروق حسني تحديدًا للمنصب من بين 5 مرشحين للوزارة، وهي نقطة مهمة بالنظر إلى السنوات الطويلة التي سيبقى فيها الوزير في المنصب طوال نحو ثلاث أربعات فترة حكم مبارك نفسه، كما أن حسني نفسه يذكِّيها عندما يذكر في موضع بالكتاب: "الحقيقة أني كنت مندهشا لترشيحي وكنت خامس المرشحين وأصغرهم سنًا".

في هذا الفصل، المعنون بـ"الصدمة والعاصفة"، تفرد محررة الكتابة ومحاورة الوزير الأسبق صفحات مطولة لرصد وقائع المعركة أو "العاصفة" التي رافقت إعلان تكليف فاروق حسني وزيرًا للثقافة، وتنقل مقالات شبه كاملة لكتاب تلك الفترة للاعتراض على القادم الغريب من روما، مبرزة بالطبع كيف احتوى "حسني" تلك العاصفة.

في أول لقاء مفتوح له بالمثقفين، طرح فاروق حسني مفهوماً يسميه "تصنيع الثقافة" يرى أنه كان جديدًا على أغلب مثقفي تلك الفترة.

يقول: "كسبت معركة المثقفين التي كانت أولى الصدمات والتحديات، فعندما قبلت أن أكون وزيرًا كنت مدركًا للخطر الذي أقدم عليه، خطر المسئولية، والتحدي لإعادة الثقافة إلى مكانها الطبيعي في ظل أوضاع خاطئة استقرت عليها لسنوات طويلة، وكنت أدرك أنه لا عمل بدون سياسة، ولا نجاح بدون تحديات، فقد ألفت التحديات منذ طفولتي".

وقبل أسطر يحكي أنه بعد أربعة أيام فقط من تولي المنصب بدأ العمل، واستهل المهمة بتصور جديد أطلق عليه "تحديث الرؤى الثقافية"، التي يقول إنها كانت تلوك نفسها قبل ذلك وتحاكي ثقافة الثلاثينيات والستينيات، لكنه لا يمنحنا توضحيًا كافيًا لتلك النقطة.

لكن ثمة معركة أخرى يمكننا أن نسميها "داخلية" واجهها فاروق حسني في أروقة نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهي الصراع المبكر بينه وبين وزير الإعلام آنذاك ورئيس مجلس الشوى بعد ذلك ورجل الحرس القديم، صفوت الشريف.

تسأل المحاورة فاروق حسني: "لماذا وقف صفوت الشريف ضدك؟"، فيرد بتحفظ: "كانت هناك رغبة في الاستحواذ على الثقافة لتكون وزارة واحدة تجمع الإعلام والثقافة، مثلما كانت أيام د. حاتم (صفوت حاتم) ود. عطيفي (جمال العطيفي) وعبد المنعم الصاوي، ولهذا حينما انفصلت الثقافة بوزارة مستقلة شعر بعض وزراء الإعلام أنها سُلبت منهم".

ويضيف، دون أن يسمِّي صفوت الشريف، وزير الإعلام وقت تكليفه: "حين توليت الوزارة عملوا على إفشالي من اللحظة الأولى، لاعتقادهم أن ذلك سيدفع بالدولة لضم الثقافة إلى حقيبة الإعلام".

واللافت قبل أن نغلق ملف الترشيح والقبول وبدء المهمة، هو ما يكشفه فاروق حسني أنه ترشح مرة سابقة للوزارة قبل أن يتولى المنصب رسميًا. يحكي: "كنت سأتولى الوزارة قبل اختياري بعام، فقد حدث خلال اتصالي لتهنئة د. عاطف صدقي بتولي رئاسة الوزراء أن سألني عمن أرشحه لتولي منصب وزير الثقافة خلفا للدكتور أحمد هيكل، فرشحت سعد وهبة، وكان صديقي، إلا أن صدقي قال لي: "الريس مش مرتاح له"، وسألني عن أسماء أخرى، ولم يكن ذهني حاضرا".

هكذا تتجلى الثقة في العلاقة بين "صدقي" وحسني"، إذ أن رئيس الوزراء رشح الفنان للمنصب من البداية، عام 1986، لكن "الأجهزة الأمنية لم تكن قد أتمت تحرياتها المعتادة عني كمرشح للوزارة، فرأى تأجيل اختياري مع أول تعديل قادم".

بعد 10 سنوات، خرج عاطف صدقي من منصبه رئيسًا للوزراء عام 1996، لكن فاروق حسني ثبّت أقدامه وظل في منصبه وزيرًا للثقافة لأكثر من 23 سنة، حتى فبراير 2011.

ads
ads