الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
رئيس التحرير
شيماء جلال

هل أصبح أمن مصر المائي تحت التهديد؟

الجمعة 05/يوليه/2019 - 01:25 م
الرئيس نيوز
طباعة

تعتمد مصر بشدة على نهر النيل منذ العصور القديمة. ويوفر النهر 90٪ من احتياجاتها المائية، ويعد حوض نهر النيل موطنًا لأكثرمن نصف سكان البلاد ومع ذلك، فإن النمو السكاني وضعف التدفقات بسبب تغير المناخ وعوامل سوء الاستخدام وإدارة الموارد المائية بالطرق التقليدية يعني، وفقًا لمجلة "فورين بريف" الأسترالية أن مصر تواجه عجزًا سنويًا في المياه يزيد عن 20 مليار متر مكعب.

ولهذا العجز المائي آثار اقتصادية واجتماعية لا شك فيها. فقد تسبب قرار الحكومة لعام 2018 بتخفيض مساحة الأراضي المخصصة للأرز من 1.1 مليون فدان إلى 750,000 فدان في محاولة لتوفير المياه في حدوث الكثير من التأثيرات الاقتصادية. من الواضح أن الزراعة المصرية - المسؤولة عن 12 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد - عرضة للتأثير كلما زاد العجز المائي وبالتالي سيصاحب ذلك نزوح سكان المناطق الزراعية والريفية إلى الأحياء الفقيرة المتنامية في ضواحي المدن الرئيسية المكتظة بالفعل.

وأضاف تقرير "فورين بريف" أن مصايد الأسماك في مصر ربما تتراجع بسبب قلة المياه وزيادة الملوحة، ما قد يجبر الصيادين على التحول نحو تربية الأسماك الكثيفة، ناهيك عن أن انخفاض مستويات المياه يعرقل السياحة أيضًا. أصبحت مواقع النيل القديمة مثل الأقصر وأسوان يتعذر الوصول إليها بشكل متقطع بلاستعانة بالقوارب كملا كان يحدث في السابق، مما كلف منظمي الرحلات السياحية ما يصل إلى 5000 دولار في اليوم. استجابة لذلك، أطلقت الحكومة خطة وطنية لموارد المياه لمدة عشرين عامًا، تهدف إلى تعزيز الحفاظ على المياه، والاستثمار في محطات تحلية المياه، وتطوير البنية التحتية للري في البلاد.

جذور الأزمة

تتمتع مصر منذ فترة طويلة بحصة ثابتة من مياه النيل. وقد أشار المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت إلى أن "مصر هي هبة النيل والنيل هو هبة مصر" وأن سلسلة من معاهدات الحقبة الاستعمارية أدت إلى استمرار هذه الوضع المميز لمصر من حيث حصتها في مياه النهر. خصصت المعاهدة الأنجلو-مصرية لعام 1929 لمصر 50 مليار متر مكعب وللسودان، تحت الاستعمار البريطاني، 4 مليارات متر مكعب ومنحت مصر حق النقض (الفيتو) على أي تطورات مستقبلية على المنبع، في حين منحت معاهدة ثنائية عام 1959 مع السودان المستقل حديثًا في ذلك الوقت لكل دولة 5 و14 مليار متر مكعب، على التوالي.

ولفتت المجلة إلى أن التغييرات في السياسات وتعداد السكان تهدد بتصعيد الوضع الراهن. فقد زاد عدد سكان مصر بحوالي 80 مليون نسمة منذ عام 1959، مما يعني أن مخصصاتها في منتصف القرن من المطلوب أن تحقق الاكتفاء للسكان الذين زاد عددهم خمسة أضعاف. مصر ليست وحدها التي واجهت مثل هذه التغييرات. كما تضاعف عدد سكان إثيوبيا والسودان؛ وتضاعف تقريبا الطلب على المياه في إثيوبيا في العقد الماضي وحده.

على الرغم من محاولات دول المنبع لتحدي الوضع الذي تتمتع به مصر في مياه النيل، إلا أنه حتى الآن لم يتم تحقيق الكثير من خلال الدبلوماسية. نتيجة لذلك، قررت إثيوبيا أن تأخذ الأمور بأيديها وبدأت في إنشاء مشروع "سد النهضة" في عام 2011 على الرغم من المعارضة المصرية المبدئية للمشروع. لا يزال يتعين القيام بـ 40٪ على الأقل من أعمال البناء، وقد تستغرق عملية ملء السد فعليًا ما يصل إلى خمسة عشر عامًا. ستحدد سرعة هذه العملية مدى حدة أزمة المياه في مصر ومقدار الوقت اللازم للتكيف معها.

وتنظر أديس أبابا رسميًا إلى المشروع على أنه المفتاح الرئيسي لتنمية إثيوبيا وطموحاتها في النفوذ الإقليمي. تتوقع أديس أبابا أن يوفر مشروع السد الكهرباء لنحو 86 مليون إثيوبي يعيشون في الظلام وإنتاج فائض من الطاقة المائية للتصدير. ويعتبر سد النهضة قضية رئيسية في السياسة الإثيوبية

على الرغم من أن تأثير سد النهضة الواضح على السودان إلا أن الخرطوم قررت الانحياز في البداية إلى الموقف المصري، ولكن السودان يدعم السد الآن وتأمل الخرطوم أن يخفف مشروع سد النهضة من الفيضانات الموسمية، التي لا تسمح للسودان إلا باستغلال حوالي 20٪ من أراضيها الصالحة للزراعة. إذا تحقق ذلك، يهدف السودان إلى أن يصبح سلة خبز لدول الخليج.

على الرغم من الانجاز الظاهري في عام 2015، لم تكن المفاوضات حول هذه القضية مثمرة من منظور مصري. احتوى إعلان المبادئ لعام 2015 بشأن سد النهضة - الذي وقع بين مصر والسودان وإثيوبيا - على عشر فقرات وألزم إثيوبيا بإجراء دراسات تقنية لفحص تأثير سد النهضة. اعتبارًا من عام 2019، لم يتم تنفيذ أي من البنود ورفضت إثيوبيا طلب مصر تأجيل ملء السد حتى تكتمل المفاوضات.

أضافت السياسة الإقليمية طبقة أخرى من التعقيد. سارت التوترات داخل الخليج ونتائجها المتمثلة في سعي قطر وحليفتها تركيا لتعزيز علاقاتهما مع السودان بشكل كبير، حيث وقعت الدولتان مؤخرًا على اتفاقيات تزيد قيمتها عن 5 مليارات دولار مع الخرطوم وتحسين العلاقات الأمنية في الوقت نفسه تحتفظ المملكة العربية السعودية بعلاقات وثيقة مع القاهرة، بينما فضلت الإمارات العربية المتحدة اللعب على الجانبين، حيث تعهدت مؤخرًا بتقديم 3 مليارات دولار كمساعدات واستثمارات لإثيوبيا - ربما لمواجهة النفوذ التركي والقطري. وليس من المستبعد في هذا السياق الإقليمي أن تضطلع  الدوحة بـ "التمويل والتحريض" على بناء إثيوبيا سد النهضة.

الكلمات المفتاحية

ads
ads
ads
ads