سوريا تعرض تعاونا استراتيجيا على الأردن لإدارة حوض اليرموك
في مؤشر لافت على جهود إقليمية لإعادة تشكيل أولويات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، كشفت تقارير دبلوماسية عن تحرك سوري نحو عرض تعاون مائي مع الأردن في إطار ما وصفه مراقبون بتحول استراتيجي في إدارة الموارد الشحيحة، حيث باتت المياه تعامل بوصفها ملفا سياسيا وأمنيا بقدر ما هي قضية خدمية أو بيئية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط المناخية والديموغرافية على دول المنطقة، خصوصا في حوض نهر اليرموك، وفقا لصحيفة آراب ويكلي.
وتشير المعطيات إلى أن دمشق تسعى إلى الانتقال من إدارة أحادية للموارد إلى نموذج تشاركي مع عمّان، بما يعكس تغيرا أوسع في نمط العلاقات بين الدولتين بعد سنوات من التوترات المرتبطة بتقاسم المياه، وسط نقاشات حول آليات تنظيم الآبار، وتعزيز المراقبة المشتركة، وتطوير إدارة الموارد المائية عبر تقنيات حديثة.
المياه تتحول من ملف خدمي إلى أداة قوة سياسية
لم يعد ملف المياه في الشرق الأوسط مجرد مسألة فنية مرتبطة بالتوزيع والاستهلاك، بل أصبح أحد أهم أدوات إعادة تشكيل العلاقات بين الدول. فبينما تواجه الأردن واحدة من أعلى درجات الشح المائي عالميا، تعاني سوريا من تدهور في البنية التحتية للمياه نتيجة سنوات الحرب، ما يجعل التعاون بين الطرفين أقرب إلى ضرورة استراتيجية منه إلى خيار سياسي.
ويتمحور هذا التحول حول إدراك متزايد بأن أزمة المياه لم تعد تُحل عبر تقاسم الكميات فقط، بل عبر إدارة الموارد نفسها بشكل مشترك، بما يشمل تطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة الاستخدام، وتقليل الهدر.
حوض اليرموك.. من نقطة توتر إلى مختبر تعاون محتمل
يعد حوض نهر اليرموك أحد أكثر الملفات حساسية بين البلدين، حيث ارتبط تاريخيا بخلافات متكررة حول تدفق المياه وبناء السدود وحفر الآبار غير المنظمة. هذه الخلافات أسهمت في تعميق فجوة الثقة لعقود، لكنها اليوم تبدو في طور إعادة التشكيل.
وتشير التطورات الأخيرة إلى اتجاه نحو وضع إطار مؤسسي أكثر صرامة، يهدف إلى ضبط الاستخدامات المائية ومنع الاستنزاف غير المنظم، إلى جانب تعزيز آليات الرقابة المشتركة، في محاولة لتقليل التوترات وبناء أرضية تعاون طويلة الأمد.
دبلوماسية المياه.. مفهوم أمني جديد في المنطقة
يرى مراقبون أن ما يجري بين دمشق وعمّان يمثل نموذجا ناشئا لما يمكن تسميته “دبلوماسية المياه”، حيث تتحول الموارد الطبيعية إلى محور للأمن الإقليمي بدلا من كونها مصدرا للصراع.
هذا التحول يعكس تغييرا أوسع في مفهوم الأمن في الشرق الأوسط، الذي لم يعد مقتصرا على التهديدات العسكرية المباشرة، بل بات يشمل أمن الموارد الطبيعية، وعلى رأسها المياه، باعتبارها عاملا حاسما في الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
فرصة إقليمية قابلة للتوسع
تذهب بعض التحليلات إلى أن نجاح النموذج السوري الأردني المحتمل قد يتجاوز حدوده الثنائية، ليشكل إطارا مرجعيا لمناطق أخرى تعاني من أزمات مشابهة، مثل حوضي دجلة والفرات، وأجزاء من شمال أفريقيا، حيث تتقاطع ندرة المياه مع التغير المناخي والنمو السكاني.
لكن هذا المسار لا يخلو من تحديات، إذ يتطلب مؤسسات قوية، وشفافية عالية، وإرادة سياسية مستمرة، إضافة إلى القدرة على تجاوز إرث طويل من النزاعات المائية، فضلا عن تأثيرات عدم الاستقرار الإقليمي والتغيرات المناخية المتسارعة.
من الصراع إلى إدارة الندرة
رغم هذه التحديات، تشير الاتجاهات الحالية إلى تحول عملي في التفكير السياسي، يقوم على إعادة تعريف ندرة المياه ليس كعامل صراع محتمل، بل كفرصة لإعادة بناء التعاون الإقليمي.
وفي حال نجاح هذا المسار، فقد يشكل بداية لمرحلة جديدة في العلاقات بين دول المنطقة، حيث تتحول الموارد المشتركة من نقاط احتكاك إلى أدوات لبناء الاستقرار وإعادة صياغة التوازنات بين الدول المتجاورة.