الأربعاء 17 يوليه 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
رئيس التحرير
شيماء جلال

"سنوات النار والثلج" (2): بمباركة العائلة.. جلال طالباني زعيم كردي في سن الـ14

الخميس 16/مايو/2019 - 09:49 م
الرئيس نيوز
محمد حسن
طباعة

مشروع لم يكتمل لرجل دين وهو طفل، مقاتل يحمل السلاح ويعيش في الجبال، سياسي مخضرم يصبح أول رئيس جمهورية كردي للعراق؛ هكذا عاش الرئيس الراحل جلال طالباني حياة حافلة بين "النار والثلج"، يمكننا أن نتعرف منها - إلى جانب سيرته الذاتية الثرية – على تاريخ العراق والعالم العربي في أكثر من نصف قرن.

كتاب "مذكرات جلال طالباني.. سنوات النار والثلج"، لمعد فياض، يقترب للغاية من الزعيم السياسي الكردي، في مهمة شاقة وثرية، عايش فيها محرر المذكرات الرئيس الذي يتمتع بالحيوية واليقظة، في أكثر من مدينة، وأنتج لنا العمل الصادر قبل سنتين عن دار "سطور" في بغداد.

ولا يخفي المؤلف إعجابه الشديد بشخصية "طالباني"، بل إن هذا هو ما دفعه لتحرير مذكراته التي يجدها مهمة شاقة، إذ "كيف يمكن لنا أن نلملم أطراف ذكريات رجل بدأ ينسج تاريخه الاجتماعي والثقافي والسياسي وهو في العاشرة من عمر طفولته".

"الرئيس نيوز" يعرض على حلقات مذكرات أول رئيس كردي في تاريخ الدولة العراقية، وسابع رئيس عراقي، ذلك الرجل الذي رفع شعار "الحرية لكردستان، والديمقراطية للعراقيين".

عندما سأل معد فياض، محرر المذكرات، رجلا كرديا، كان محاربا من "البيشمركة": "لماذا لا تنادونه بالسيد الرئيس؟"، رد: "بإمكان أي عراقي أن يكون رئيسا للجمهورية، إذا توافرت لديه الظروف، إذا اتفقت الأحزاب فيما بينها، لكن ليس بإمكان أي عراقي، سواء كان عربيا أو كرديا أن يكون مام جلال".

هذه إشارة أخرى إلى التقدير الواسع الذي كان يحظى به "الحكيم" جلال طالباني، نستهل بها الحلقة الثانية، لكن لنعد لتسلسلنا الطبيعي في تتبع مسيرة حياة الرئيس العراقي الراحل.

نحن الآن في فترة صبا جلال طالباني، ولد كردي يافع يمارس السياسة بانتظام في تلك الفترة الملتهبة من تاريخ العالم في أواخر الأربعينيات، أثبت كفاءة "تنظيمية" أهلته لأن يترقى في الحزب الديمقراطي الكردي العراقي.

لكن ماذا عن موقف عائلته من كل هذا؟

يشير الكتاب إلى "العقلية المتحررة" لعائلة طالباني، وخصوصا والده، شيخ الطريقة القادرية في "التكية الطالبانية"، والذي لم يكن يعترض على النشاط السياسي لابنه.

وتفسير ذلك بحسب محرر المذكرات يرجع إلى الوعي الذي كان مزيجا بين السياسي والديني عند زعماء الأكراد: "الخطاب الكردي أسس على قيم قومية وليس على مبادئ طائفية أو مذهبية، وهذا الخطاب لم يتعارض أو يتقاطع مع الدين الإسلامي، وجل قادة الثورة الكردية الأوائل هم إما من رجال الدين أو من عائلات متدينة".

إذا عدنا لشخصية "جلال" في تلك الفترة، فإننا نلمس ما يشير إليه المؤلف من سمة "القيادة" في شخصيته، والتي أهلته على العمل التنظيمي في سن الرابعة عشر، لكن الحدث الأبرز في المسيرة السياسية المبكرة لـ"جلال" كان عندما قاد تظاهرة كبيرة في بلدته كويسنجق، دعما للانتفاضة الشعبية التي تفجرت في بغداد على الاحتلال البريطاني آنذاك.

في ذلك اليوم من يناير 1948، "هرع الناس إلى الشوارع، الرجال تركوا مقاعدهم في المقاهي، والنساء اتجهن نحو الشبابيك لمشاهدة ما يجري، وما كان يجري هو مظاهرة سياسية، وربما كانت أول تظاهرة سياسية تخرج في هذه المدينة الهادئة".

غير أن الحدث الأكثر أهمية من ذلك، وفي نفس العام، كان تأسيس اتحاد الطلبة العراقي، الذي سيمثل فيه الطالب جلال مدينته كويسنجق في المؤتمر التأسيسي للاتحاد في بغداد العاصمة.

كان "جلال" سافر إلى بغداد من قبل، لكن لأغراض طبية لعلاج عينه، لكن هذه هي المرة الأولى التي يذهب فيها إلى المدينة الكبيرة في مهمة "عمل عام"، ليكون أصغر سياسي عراقي كردي يشارك في ذلك المؤتمر التاريخي، الذي تحول إلى احتفال جماهيري بتأسيس المنظمة الطلابية، والتقى في بطلبة من كل طوائف العراق، ما نمّى عنده الوعي بقضي الوحدة الوطنية، كما تعرف على الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي سيصبح صديقًا له فيما بعد وسيحفظ أغلب قصائده.

"طالباني" لم يكن أصغر عضو مشارك في المؤتمر فقط، بل جرى اختياره كعضو احتياط في الهيئة الإدارية للمؤتمر من بين مئات من الطلبة العراقيين القادمين من كل المحافظات.

يقول طالباني عن تلك الأيام: "هذه الأجواء الجديدة التي عشتها ببغداد نقلتني من أجواء مدينة صغيرة مثل كويسنجق إلى أجواء مدينة كبيرة هي بغداد، والتعرف إلى المجتمع البغدادي، فمثلا أنا كنت، وما زلت، أحب الكتب لهذا زرت شارع المتنبي ودخلت مكتباته الضخمة والعريقة، وتركزت في ذهني صورة بغداد كمركز ثقافي وحضاري ومركز سياسي، إذ بقيت هناك أكثر من أسبوعين".

عاد "جلال" إلى كويسنجق عودة المظفرين: "صرنا نعقد الاجتماعات ونتحدث إلى الطلبة عن المؤتمر وعما شاهدناه في بغداد، وكذلك عن مضامين الأخوة العربية الكردية ومبادئ الكفاح العربي الكردي المشترك".

أصبح جلال طالباني شخصية سياسية لها ثقل في بلدته رغم صغر سنه، لكنه وسط كل هذا لم ينس دراسته التي كان يتفوق فيها عاما بعد الآخر، ونجح في "البكالوريا" في المركز الأول على جميع طلاب مدارس محافظة السليمانية.

في تلك الفترة بدأت لغته العربية التي كان مهتما بتعلمها تتحسن كثيرا: "بدأت أحفظ قصائد الجواهري وأقرأ صحيفة الأهالي والكتب العربية، وأحفظ المفردات العربية من معجم المنجد، وكنت أحصل على درجة كاملة في مادة الإنشاء العربي".

بعد ذلك، كان على جلال طالباني أن ينتقل إلى أربيل، حيث توجد مدرسة ثانوية سيتعلم فيها، وفي أربيل ثمة محطات أخرى في مسيرته السياسية والحياتية الحافلة.

ads
ads