الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 الموافق 15 ربيع الأول 1441
رئيس التحرير
شيماء جلال

تاريخ السلطة الناعمة (2) ما يفسده الحاكم بأمر الله ..تصلحه "ست الملك"

الأربعاء 08/مايو/2019 - 03:54 م
الرئيس نيوز
شيماء جلال
طباعة



 

"اختفاء الحاكم بأمر الله"، ظلت تلك الحكاية المحيرة التي تداولتها الأجيال على مدار العصور، فذات ليلة من ذات الليالى، أفاق أهالي المحروسة على حدث غير مسبوق، هو غياب خليفتهم غريب الأطوار، والذى عُرف عنه مراسيمه الشاذة وإجراءاته المتعسفة، فقد اختفى فجأة أبو علي المنصور ابن أحمد، الشهير بين المصريين باسم "الحاكم بأمر الله"، في ظروف غامضة وغير مفهومة.

ولأن الذاكرة المصرية تحتفظ بالكثير من حيل النساء ومكرهن تجاه الظلمة والظالمين، كان الشعار الذي يدور في الأذهان وقتها هو شعار "ابحث عن المرأة"، حيث كانت كل أصابع الاتهام تشير إلى "ست الملك"، الأخت غير الشقيقة للحاكم بأمر الله، فهل وصل كيد النساء ومكرهن إلى درجة اختفاء الخليفة دون أدنى أثر له.

 

ابنة الجارية القبطية

 

كان "الخليفة العزيز" خامس الخلفاء الفاطميين في مصر، ولقد كانت لديه سبع بنات وكان أشهرهن "ست الملك" وأختاها "رشيدة" و"عبدة" نظراً إلى ثرائهما الشديد.

وفي حين كانت والدة "ست الملك" جارية قبطية من أصول بيزنطية، وكانت تدعى "أم الولد"، إلا أن ست الملك ورثت عن والدتها جمالاً مطلقاً وشجاعة بطولية، وتحلت بالثراء والجمال، وحظيت في حياة والدها على تدليل يحكى عنه في الأساطير، فكان لديها أربعة آلاف خادمة لمساعدتها في ارتداء الملابس من الحرير والكتان والقماش الملكي المطرز.

وكانت الخادمات يقمن بمساعدتها للاستحمام بالعطور النادرة وتزيينها بالمجوهرات الثمينة.

لكن فجأة رحل والدها، لينتهي الجانب السعيد والفاخر من حياتها، وتبدأ مهامها الجسام، في ظل صعود أخيها (الغير شقيق)، "الحاكم بأمر الله" إلى سدة العرش، وهو لا يزال صبياً صغيراً في الثامنة من عمره، في حين كان مستشار الخليفة الجديد يدعى بارجوان، ولم يكن على صلة جيدة بست الملك.

سرعان ما جنح بارجوان إلى الطغيان والاستبداد فكان يعتبر نفسه الخليفة الحقيقي، وصار يستصغر خليفته الحاكم، كما أنه استغل منصبه في تكوين ثروة ضخمة له، هذا بالإضافة إلى انشغاله باللهو والملذات، مما أدى إلى انصرافه عن شؤون الدولة التي تعطلت وفسدت من جراء ذلك.

وفي حين نسى الوزير في غمرة ذلك أن الحاكم قد جاوز سن الصبا ودخل مرحلة الشباب وصار متنبهاً إلى استبداد برجوان وتغلبه عليه، قام الحاكم فجأة ومن دون سابق انذار بتدبير مؤامرة لقتل بارجوان، وتم ذلك وأصدر الحاكم بياناً يبرر فيه أسباب قتل بارجوان، ثم قام بعد ذلك بالتخلص من كل كانت له صلة به في الجيش وفي القصر.

بعد قتل المستشار، وضع "الحاكم بأمر الله" ثقته الكاملة في أخته "ست الملك"، ليأخذ رأيها في شئون الحكم، وكانت صاحبة رأى نافذ في كثير من شئون الخلافة، حتى أنها كانت الحاكم الفعلي،  إلا أنه لم يمر وقت طويل قبل أن تدب الغيرة في قلبه من نفوذ أخته، وعمل على إقصائها.

الوصية على العرش

هكذا تولى "الحاكم" شئون دولته، محاولاً استعادة زمام الأمور، وقد رصدت الكثير من كتب التاريخ جوانب مختلفة حول شخصيته وسيرته، فهناك من يصفه بالحكمة، وهناك من يصبغه عليه صفة الجنون، وهناك من يرى أن فترة حكمه كانت مثالاً للزهد والتقوى والعدل والورع، وهناك من يؤكد بطشه وطغيانه، خاصة ضد أصحاب الأديان والمذاهب الأخرى.

ومن بين أشهر ما تداولته كتب التاريخ حول شخصية "الحاكم بأمر الله"، أنه أمر بمنع السيدات من الخروج من منازلهن بوجوه مكشوفة، ولم يعاني من ذلك نساء العامة فقط ولكن أيضاً نساء القصر، والأخيرات واجهن مشاكل عديدة  حيث قتلت كثيرات من خليلات الخليفة، كذا أمهات أبنائه وذلك بوضعهن في صناديق محكمة الغلق والقائهن في النيل، لقد لجأت أمينة إحدى زوجات الحاكم، هي وابنها إلى منزل "ست الملك" للاختباء عندها.

لكن القرارات العجيبة ظلت تسيطر على عقل الحاكم، فقد أصدر قرارات بمنع الناس من أكل الملوخية والجرجير، ومنع من عجن الخبز بالرجل، والمنع من ذبح البقر التي لا عاقبة لها إلا في أيام الأضاحي وما سواها من الأيام، ولا يذبح منها إلا ما لا يصلح للحرث، كما أمر بالقاء الخمور في النيل، وأمر أيضاً بإلقاء العسل في النيل، من دون أن يعرف أحد لماذا يحدث كل ذلك، وقد كان من أعجب أوامره أن يؤذن لصلاة الظهر في أول الساعة السابعة، ويؤذن لصلاة العصر في أول الساعة التاسعة.

المصادر التاريخية تختلف في تفصيل مقتل الحاكم، لكن هناك روايات كثيرة ترجِّح أنه كان ضحية مؤامرة دبرت ضده من أعدائه الكثيرين انتهت بمقتله، وإن كان متواتراً في الروايات السنية والقبطية قتله على يد أخته "ست الملك".

الرواية الأشهر تقول إنه خرج كعادته في الليل على حماره إلى جبل المقطم، ليتدبر في ملكوت الله ولم يعد، فأُرسِل الجند يقتفون أثره لعلهم يجدون له أثراً، فلم يعثروا إلا على عباءته الملطخة بالدماء.

وبعد وفاة الحاكم، أصبحت "ست الملك" الوصي على الوريث الصغير "الزاهر"، حيث استخدمت "ست الملك" خبرتها في مجال السياسة لاستقطاب رجال البلاط الأقوياء لصالحها.

ومن ضمن إسهاماتها في شئون الخلافة الفاطمية الغاء  القوانين التي وضعها أخوها، وخاصة تلك القوانين التي تخص المرأة في الخروج من المنزل.

بالإضافة إلى ذلك أصلحت "ست الملك ما أفسده الحاكم بأمر الله، خصوصاً في مجال الضرائب، كما قامت بإرجاع الأراضي التي صادرها الحاكم بأمر الله إلى أصحابها.

ads
ads
ads
ads
ads